محمد بن جرير الطبري
14
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
في مكان رفيع ، وانهم جاروا إلى ربهم ، ودعوه مخلصين له الدين ان يكشف عنهم العذاب ، وان يرجع إليهم رسولهم ، قال : ففي ذلك انزل الله تعالى : « فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ » . فلم يكن قريه غشيها العذاب ثم امسك عنها الا قوم يونس خاصه ، فلما رأى ذلك يونس ، لكنه ذهب عاتبا على ربه ، وانطلق مغاضبا ، وظن أن لن يقدر عليه ، حتى ركب سفينة ، فأصاب أهلها عاصف من الريح فقالوا : هذه بخطيئة أحدكم وقال يونس - وقد عرف انه هو صاحب الذنب : هذه بخطيئتي ، فالقونى في البحر وانهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم ، « فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ » ، فقال لهم : قد أخبرتكم ان هذا الأمر بذنبي وانهم أبوا عليه ان يلقوه في البحر ، حتى أفاضوا بسهامهم الثانية ، « فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ » فقال لهم : قد أخبرتكم ان هذا الأمر بذنبي ، وانهم أبوا عليه ان يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة ، « فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ » فلما رأى ذلك القى نفسه في البحر ، وذلك تحت الليل ، فابتلعه الحوت « فَنادى فِي الظُّلُماتِ » - وعرف الخطيئة - « أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » وكان قد سبق له من العمل الصالح ، فانزل الله فيه فقال : « فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » ، وذلك ان العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر ، « فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ » والقى على ساحل البحر ، وانبت الله عليه شجره من يقطين - وهي فيما ذكر - شجره القرع يتقطر عليه